زينب عبد اللاه
أبشع ما يمكن تخيله هو أن تري طفلا لا يتعدي عمره 3 سنوات يصرخ من شدة العذاب والألم.. يتعالي صراخه كلما ازداد العذاب عنفا وفتكا بجسده الضئيل. يستمر لساعات طويلة يصرخ ويصرخ دون مجير.. يعجز الجسد الضئيل عن الاحتمال ويعجز عقله عن الاستيعاب.. يفقد عقله كما فقد أباه وأمه وأشقاءه.. يبدأ مرحلة جديدة من التعبير عن شدة الألم والعذاب.. يهذي.. قبل الموت وينادي أمه وكأنه يراها.. لعل روحها التي فاضت قبل ساعات ترفرف حوله.. تحاول أن تخفف عذابه وآلامه تداعبه.. يناديها ويسألها: وجسده وصوته يرتعشان: 'ماما.. أنا حلو يا ماما؟!.. خلاص يا ماما أنا شبعت يا ماما.. أنا أكلت كتير.. أنا حلو يا ماما.. أنا باسمع الكلام ياماما' يرتعش جسده بشدة وتختفي حرارته ويتحول إلي ما يشبه لوح الثلج.. ثم يموت.
لم يكن هذا المشهد أحد مشاهد العذاب في سجن أبوغريب أو السجون الصهيونية ولكنه كان أحد تفاصيل الموت التي عاشها ضحايا العبارة 'السلام 98'.. التي لا يمكن لمن شاهدها أن يعيش حياة طبيعية بعد ذلك.. شاهد هذا المشهد وعاش ساعاته ودقائقه ولحظاته التي مرت أثقل من الجبال ومن أمواج البحر العالية 'علي محمد صالح' أحد الناجين من العبارة.. صوته الخافت المرتعش الذي لا يكف عن ذكر الله وحمده يزداد وارتعاشا حين يتذكر هذه اللحظات ويستحضرها وكأنه يراها الآن يهتز جسده.. وترتعش كل تقاسيم وجهه ويختنق صوته بالبكاء حين يتذكر كلمات هذا الطفل وهو يموت.. هان عليه شقاء السنين الذي ابتلعه البحر وهانت عليه ساعات العذاب حتي تم انتشاله بعد '21' ساعة.. ولكن يظل صوت هذا الصغير يؤرقه ويحرمه النوم.
يحكي تفاصيل ما حدث ويقول: 'كنت من أوائل الركاب الذين صعدوا إلي العبٌارة بعد أن فتشتنا السلطات السعودية تفتيشا دقيقا وكنت أشعر بسعادة فائقة كالعشرات من ركاب العبارة بعد رحلة شقاء وعمل يحلمون برؤية الأبناء والزوجة والأهل والأحباب كنت أعد الدقائق كي أصل إلي أبنائي عمر 4 سنوات ورفيدة سنتين.. حملت شقاء السنين شنطة 'هاندباج' بها 15 ألف ريال وألف دولار وأمانة لصديق طلب مني توصيلها لزوجته وهي مبلغ 8500 ريال وجهاز كمبيوتر شخص 'لاب توب' أحلم بأن آخذ شقة مستقلة لأنني أعيش حتي الآن في منزل أبي.. كنت باشتغل قبل سفري في مؤسسة 'ibm' وهي مؤسسة هولندية لمكافحة الآفات والأمراض الزراعية، حيث إنني خريج معهد التعاون الزراعي وكان مرتبي لا يتجاوز 150 جنيها.. سافرت وعملت مقاولا في السعودية منذ أربع سنوات والحمد لله كنت باكسب خاصة في موسم الحج'.
ويستمر قائلا: 'طلب طاقم العبارة مساعدة الناس اللي خطوطها كويسة لكتابة بيانات أوراق الجوازات وطلعت أنا ومجموعة من الشباب والرجال في الكافتيريا.. كان عدد الأطفال والنساء كبيرا جدا.. كل واحد في المجموعة فضل يحكي عن أهله وأولاده وأحلامه والظروف اللي اضطرته للسفر.. كلهم ناس بسطاء'.
واحد منهم شاف صورة طفل في أحد الجوازات وقال ده شبه ابني بالضبط وطلع صور ولاده وفضل يبوس فيها وكأنه بيشوفها لآخر مرة وفضل يتكلم عن أحلامه لهم وكانت دي آخر كلماته لأنه كان من أوائل الناس اللي ماتت في العبارة قبل ما تغرق.. فبعد أن ازداد الدخان بدأ زجاج العبارة وأجزاؤها تتناثر وتنفجر وتسقط علي الناس.. وقع عليه سياج من العبارة ومات في الحال'.
مشاهد لا تنسي
ويكمل علي محمد صالح قائلا: 'مشاهد ومناظر وكلمات كثيرة لن أنساها لازالت تتردد في أذني.. وسط الارتباك والرعب شاهدت والد محمد الطفل الوحيد الذي نجا من العبارة.. كان معاه زوجته وأطفاله الثلاثة وانهار عندما شاهد زوجته تبكي فزعا.. قلت له 'اجمد يا راجل وادعي ربنا إن شاء الله هينجينا' فبكي وقال لي: 'دحنا أسرة كاملة يعني لو متنا كلنا هينقطع أثري من الدنيا'. ويكمل 'اتقلبت المركب ورأيت مركبين مطاط نزلوا من السفينة واتجهوا ناحية باخرة كبيرة كانت علي بعد كيلو واحد مننا بعد أن اطلقوا أربع طلقات..' الناس كلها سقطت في البحر وصراخ الأطفال والنساء كان رهيبا.. كل واحد عاوز يمسك في أي شيء.. الناس كانوا بيمسكوا في بعض ويغرقوا جماعات' ويزداد ارتعاش صوته وهو يقول: 'كان فيه أربعة أطفال بالقرب مني وكانوا بيصرخوا بشدة وحاولوا يمسكوا فيا لكن جت موجة عالية قلبتهم ناحية سيدة كبيرة في السن كانت بتحاول تمسك في أي شيء مسكوا فيها وغرقوا كلهم'.