السفارة في العمارة.. كلمة الشعب الفاصلة لرفض التطبيع
ناهد صلاح
في أحدث أفلامه 'السفارة في العمارة' يخوض عادل إمام معركة في جبهة جديدة لم يشتبك معها من قبل، فالزعيم الذي حكم دولة الكوميديا في مصر لأكثر من ربع قرن اشتبك خلالها مع قضايا كثيرة في الداخل من نقد الانفتاح وفضح الفساد إلي مواجهة التطرف الديني والإرهاب ينتقل في فيلمه الجديد إلي الجبهة الخارجية ويطرح بطريقته القضية الوطنية الرئيسية المتعلقة بالصراع العربي الصهيوني علي خلفية بارزة من الرفض الشعبي في مصر للتطبيع مع إسرائيل أو إقامة أي نوع من العلاقات أو التعاون معها.
وذلك من خلال المفارقة التي يتعرض لها مهندس البترول المصري شريف صبري (عادل إمام) الذي يغترب لسنوات طويلة في الخليج ولا يهتم في حياته سوي بالنساء، وبسبب إحداهن وهي زوجة (جاك) المدير الأجنبي للشركة التي يعمل بها يطرد من عمله بعد أن تكتشف علاقته بها ويعود إلي القاهرة لتبدأ المفارقة عندما يكتشف أنه يسكن في ذات العمارة التي تحتل السفارة الإسرائيلية أحد طوابقها، بل إنها تستأجر الشقة الملاصقة لشقته، وهي مفارقة بالرغم من أهميتها وواقعيتها المريرة لم تتناولها السينما المصرية من قبل كما لم تبرز الجانب الإسرائيلي بهذه المباشرة التي استفزت السفير الإسرائيلي بالقاهرة وجعلته يطلب مقابلة وزير الثقافة ليحتج علي الفيلم ويطالب بعدم عرضه لما يتضمنه من حساسية شديدة تجاه الصورة الإسرائيلية مما يعكر صفو العلاقات في ظل اتفاقية السلام المشتركة!!
وعلي مدي النصف الأول للفيلم يطرح عادل إمام من خلال سيناريو يوسف معاطي وإخراج عمرو عرفة القضية في مفارقات كوميدية وكاريكاتورية سريعة، حيث نلحظ الإجراءات الأمنية المبالغ فيها منذ عودة المهندس شريف واستقباله في المطار وطريقة توصيله وصعوده إلي مسكنه، كما نلحظ هجرة السكان من العمارة تماما، التعبير الفطري عن كراهية المصريين لإسرائيل، بدءا من سائق التاكسي الذي جاء به من المطار وصاحب محل الفطاطري الذي رفض أن يتعامل معه عندما عرف أنه يسكن في نفس العمارة التي تضم السفارة الإسرائيلية، والسمسار الدمياطي البخيل الذي رفض أن يشتري الشقة لنفس السبب، وحتي العاهرة (قامت بدورها ميسرة) التي رفضت أن تتقاضي أجرا منه معبرة عن احتقارها له لأنه يجاور العدو، وكذلك في جلسات الفرفشة والتحشيش مع أصدقائه الثلاثة المحامي (أحمد راتب) والصحفي المعارض (أحمد صيام) والطبيب البيطري (سعيد طرابيك).
وفي إطار صراع المهندس شريف مع السفارة تحت شعار عدم تنازله عن المسكن الذي ورثه عن عائلته وما يحمله من ذكريات للمكان الذي تربي فيه ويرمز إلي الوطن يتصاعد وعي المهندس المستهتر بقضيته خاصة بعدما يتعرف بالمصادفة علي فتاة يسارية (داليا البحيري) تشارك بالمظاهرات ضد إسرائيل، وقبلها من خلال الطفل الصغير (إياد) الذي كان ينسج معه علاقة صداقة وأبوة حانية، وهو الابن الوحيد لصديقه الفلسطيني (محمد داود) الذي كان يدرس معه في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، والذي لازمه في رحلة العمل بالغربة.
مع الأحداث يتحول شريف إلي بطل شعبي يدافع عن حقه في مواجهة الرغبة الاستحواذية والتوسعية للسفارة الإسرائيلية، خاصة بعد اقامته دعوي قضائية تطالب بطرد السفارة الإسرائيلية من العمارة بناء علي نصيحة محاميه، غير عابئ بنصيحة الداخلية متمثلة في اللواء راشد (خالد زكي) بعدم إثارة المشاكل، ومن هنا تلتقطه تيارات المعارضة التي بالغ الفيلم في تصويرها بشكل كاريكاتوري قد يخدم جرعة الكوميديا لكنه يضر أو يسطح القضية التي يعالجها، ولم تطل هذه الصورة الكاريكاتورية التيار اليساري فقط، وإنما أيضا اليميني الذي ظهر في الفيلم بشكل ساذج عبر جماعة متطرفة اختطفته وطلبت منه تفجير السفارة الإسرائيلية بعد أن ألبسته حزاما ناسفا!!
ولأن شريف منذ البداية لم يكن مؤهلا لدور البطل الوطني بسبب سلوكه المستهتر فإن السفارة تنجح في تصويره في وضع فاضح مع إحدي عميلاتها ويستخدمون المشاهد في السيطرة عليه وتهديده للتنازل عن القضية، بل وعن الشقة ذات مساء لإقامة إحدي الحفلات فيها، لكن المواقف كلها تتبدل عندما يعرف بخبر استشهاد الطفل (إياد) ابن صديقه الفلسطيني بعد أن حقق أمنيته في العودة إلي فلسطين والمشاركة في الانتفاضة، وذلك في مشهد يذكرنا بواقعة استشهاد الطفل محمد الدرة، حيث يصعد شريف متأثرا بجراحه ليطرد الإسرائيليين من مسكنه وينخرط في المظاهرات التي تندد بالاحتلال الإسرائيلي، ثم يتفق علي الزواج من مناضلة اليسار معلنا أن هذا اليوم الذي شهد وعيه شهد أيضا ميلاده الحقيقي.
وسواء كان الفيلم يقصد أن يشير إلي أن مستقبل التحرر الوطني مرهون بزواج الشارع العادي مع اليسار أم أن الأمر ليس أكثر من نهاية سعيدة علي عادة الأفلام المصرية، فإن المهم أن عادل إمام الذي أثار جدلا كبيرا بتصريحاته السياسية المتناقضة من قبل خاصة فيما يتعلق بقضية التطبيع والصراع العربي الصهيوني، وكذلك فيما يتعلق بمظاهرات المعارضة المصرية قد قال كلمة فاصلة في الموقف الشعبي من إسرائيل.
قد يري البعض أن ما قاله الفيلم غير كاف وحاسم في هذه القضية لكن يجب أن ندرك أن القليل من عادل إمام كثير، فنجوميته الواسعة وشهرته الجماهيرية العريضة تتيح فرصة كبيرة للتعبير عن القضية.
هذا المقال منقول من جريدة الاسبوع
الفيلم يجد نجاح ساحق بين الجماهير المصرية التى وجدت اخيرا فلم يصل ما تشعر به تجاه التطبيع ورفضها التام للوجود الاسرائيلى على الارض المصرية والعربية0
وارجوا من الله الا تتعرض مصر لضغوط امريكية واسرائيلية لرفع الفيلم من دور العرض0
او حذف المشاهد التى تهاجم اسرائيل0