من البديهي أن يثيرالصراع الدائر بين قوات المقاومة اللبنانية وقوات العدو الصهيوني تساؤلات لا يخلو بعضها من إرباك فكري وطفولة ساسية. فصراع بهذا الحجم التاريخي ذات تبعات إقليمية ودولية لا بد من أن تتباين بشأنه المواقف، ولا بد من أن يقود إلى اصطفاف القوى بين مؤيد ومعارض.
ومن البديهي أيضًا أن تستثمر القوى العراقية والعربية هذا الحدث للتعبير عن موقفها من مجمل ما يجري على الساحة اللبنانية، أو من الطرف الرئيس في معسكر المقاومة، وأن يستغل نفر هذا الصراع ليمارس هوسًا مرضيًّا في اقتناص الفرص، وتسويق أنفسهم كطرف قريب من قيادة حزب الله، والإيحاء بأن لديهم مشاورات مستمرة مع القيادة المذكورة فيما يجري في الساحة اللبنانية!
لقد أحيت الصفحة الجديدة من الصراع العربي الصهيوني تقليدًا سياسيًّا مفرَّقا عانت الأمة العربية من تبعاته، وخلقت موسمًا اختلطت فيه مواقف المؤيدين لفكرالمقاومة عمومًا، وللمقاومة الوطنية اللبنانية بشكل خاص، مع صراخ المتشككين في دوافع حزب الله وارتباطاته الإقليمية والعربية. كما وأنها كشفت الكثيرمن العورات السياسية والطائفية الشاذة والغريبة عن التراث السياسي والأخلاقي للأمة العربية، فخرج علينا أصحاب شعار: "سخر الله لنا أمريكا" بطرح طائفي شاذ جديد، لكنه ليس بغريب عنهم، مدعين بأن "لا ناقة للعرب والمسلمين في هذا الصراع ولا جمل". لماذا؟ لأنَّها، وفقًا لرؤيتهم، حرب بين الصهاينة من جهة، و"الروافض والنصارى" من جهة أخرى! في حين اشترط آخرون ضرورة تقديم حزب الله مراجعة لمواقفه السابقة، ولا سيَّما تلك المتعلِّقة بشرعية المقاومة العراقية وهويتها، قبل إعلان تأييدهم للمقاومة الوطنية اللبنانية، متغافلين عمدًا أو جهلاً عن إعلان الفصائل الأساسية في المقاومة الوطنية العراقية تأييدها غيرالمشروط لنضال شعب لبنان ولمقاومته الوطنية.
أحداث الاثني عشر يومًا الماضية، وفَّرت فرصة أخرى لاختبارمصداقية الشعارت المطروحة، وفرزت أصحاب المواقف المبدئية الصائبة عن أصحاب المواقف الانتهازية والخاطئة. وأفرزت ظواهر شرذمة طائفية وقطرية، ومزايدات غريبة وخطرة، وطروحات تسودها سمات العصبية القبلية، فهب نفر مبشر بأن انهيارالمشروع التوسعي الصهيوني، وهزيمة الإمبريالية الأمريكية ومشروعها الكوني سيبداء من جنوب لبنان! وأن المقاومتين اللبنانية والفلسطينية ستحددان مستقبل المنطقة، وتغيير معادلات الصراع الدولي! متناسين ولدوافع لا يمكن وصفها إلا بالطائفية، الدورالنضالي والحاسم للمقاومة الوطنية العراقية. هذا الموقف الخاطىء قابله موقف لايقل خطأ ، فطرح البعض إنَّ الساحة العراقية هي التي تمثل جوهر الصراع مع إعداء الأمة العربية، وهي ساحته الأساسيَّة، وأن ما يجري على أرض لبنان يمثل هدرًا في الجهد القومي واستنزافًا لإمكانيات الأمة، ولا يخدم نضالها، بل يخدم المشروع الإيراني في المنطقة. المؤسف، أن يقع بعض مؤيدي المقاومة الوطنية العراقية في فخ هذا التناقض الكبير، وأن يستخدموا مقتربًا سلبيا في تقدير ما يجري، وان يثيروا شكوكًا وتساؤلات عن جدوى قيام مقاتلي حزب الله في اختطاف الجنديين "الإسرائيليَّين" وتوقيت العملية ، وغيرها من الطروحات السلبية التي تماثل تلك التي أثارها وما يزالون أعداء المقاومة الوطنية العراقية في حملة تحجيم وخنق المقاومة.
إزاء هذا الارتباك الفكري الواضح، والطروحات الخاطئة التي قد تقود إلى خلط الأوراق، وتفتيت الموقف الوطني والقومي المساند للمقاومة الوطنية اللبنانية، لا بد من تثبيت بعض النقاط المهمة دون الدخول في تفاصيل الرد على المواقف السلبية والمناهضة للمقاومة اللبنانية المشروعة:
أولاً: إن الخيار المبدئي الوحيد المطروح اليوم أمام القوى والشخصيات الوطنية والقومية هو خيار إسناد المقاومة اللبنانية بعيدًا عن فرض شروط مسبقة. نقولها بصراحة مطلقة، بأنَّ في ظل الوضوح التام للخنادق والمتخندقين، فإن المواقف السلبية من المقاومة اللبنانية تعني بالضرورة دعمًا للعدو الصهيوني وللمشروع التوسعي الامريكي.
ثانيًا: إن موقف القوى الوطنية والقومية المناصرة للمقاومة اللبنانية ليس موقفًا تكتيتيكا أو مرحليًّا، بل موقف مستند على ثوابت مبدئية، ومنطلق من استيعاب تلك القوى معادلات الصراع العربي- الصهيوني، وعلى إيمانها في وحدة المقاومة العربية. وأنطلاقا من هذا الفهم، جاء تأييد الغالبية العظمى للحركات والقوى والشخصيات السياسية الوطنية اللبنانية والقومية والإسلاميَّة للمقاومة اللبنانية.
ثالثًا: عندما اتَّخذت فصائل المقاومة الوطنية والقوى السياسية العراقية قراراتها المساندة للمقاومة اللبنانية في معركتها ضد العدو الصهيوني لم تكن على غفلة من مواقف حزب الله وارتباطاته وتصريحات زعيمه من الاحتلال الأمريكي للعراق، ومن شرعية المقاومة الوطنية وهويتها، ولم تجهل علاقات حزب الله بحزب "الدعوة العراقي" و "المجلس الإسلامي الأعلى" وغيرهما من الحركات العراقية المرتبطة بالاحتلال الامريكي.
رابعًا: إنَّ الاعتداء الصهيوني على شعبنا في لبنان لا يمكن عزله عمَّا يتعرض له الشعب العربي في فلسطين والعراق من أرهاب وتدمير. فالاحتلال الصهيوني المرتقب للأراضي اللبنانية مرتبط بشكل جذري بالاحتلال الصهيوني لفلسطين والأراضي العربية الأخرى وبالمشروع الأمريكي في العراق والمنطقة. العدوان الصهيوني الأخير يشكل حلقة مهمة من حلقات مشروع بناء "الشرق الأوسط الجديد الكبير"، وجزء من مشروع الهيمنة الأمريكيّة على المقدرات الاقتصادية والسياسية للأمة العربية.
خامسًا: من المؤكد أن أهداف العدوان الراهن تتجاوز قضية حسم ملف حزب الله وفقًا لقرار مجلس الأمن 1559، وتصفية قواعده العسكرية في جنوب لبنان. فالهدف الأساس والنهائي للحملة الراهنة يكمن في اجتثاث خيارالمقاومة كآلية فعالة لتحقيق أهداف الأمة العربية، والدفاع عن ثرواتها ومكتسباتها، وفرض سياسة الرضوخ والاستسلام على الشعب العربي كضمانه أساسية لنجاح المشروع الأمريكي، وتحقيق الأساطير التوراتية. المطلوب اذن ، ليس القضاء على المقاومة اللبنانية فحسب، بل القضاء على فكر المقاومة وجدواها، بعد أن برهن مقاومو العراق وماجداته على أهمية خيار المقاومة وصوابه، لا لكونها وسيلة مسلحة فعالة لدحر احتلال أجنبي عن أرض عربية فقط ، بل كخيار سياسي صائب يعيد للأمة العربية كرامتها وحريتها، ويحقق عناصر الأمن والاستقرار للشعب العربي، ويقبر كل الأحلام الاستعمارية.
سادسًا: من المسلم به أن أعداء الأمة العربية موحدون في برامجهم ومواقفهم واستراتيجياتهم. وأن العدو الأساس للأمة العربية خلال هذه المرحلة هو التحالف الأمريكي- الصهوني. هذا لا يعني على الإطلاق عدم وجود تحديات وأخطار معادية لمشروع النهضة العربية، كالأطماع الفارسية الإيرانية، والطموحات التركية في اقتطاع جزء من أراضي العراق. لكن هذه الطموحات الإقليمية تبقى ثانوية قياسًا بمخاطر التحالف الأمريكي- الصهيوني، على الاقل مرحليا . إن المقاومين اللبنانيِّين يواجهون اليوم عدوانًا صهيونيًّا تدعمه الترسانة العسكرية الامريكية ، وتغطي جرائمة المؤسسات السياسية والدبلوماسية الاوربية والأمريكية، وليس من المستبعد أن تشارك القوات الأمريكية بشكل مباشر في مهاجمة قواعد المقاومة اللبنانية، وفصائل المقاومة الفلسطينية في المرحلة القادمة بشكل لا يقل همجيَّة وعدوانًا عن استباحتهم شعب العراق.
سابعًا: إن وحدة مواقف أعداء الأمَّة العربية " العدو عدو واحد"، تتطلب وجود مقاومة عربية موحدة. وإذا كان تحقيق وحدة البندقية العربية المقاومة طموحًا يصعب تطبيقه خلال المرحلة الراهنه، فإن توحديد المواقف السياسية وتقريبها وتقديم العون والمساندة المتبادلة بين فصائل المقاومة العربية ضرورات قابلة التحقيق.
ثامنًا: لا شك في أن الطروحات التي تسعى لتجزئة الصراع العربي وتقسيم ساحات المواجهة تخدم المشروع الأمريكي الصهيوني بالضرورة. فساحة النضال القومي ساحة واحدة لا تقبل التجزئة على الرغم من وجود خصوصيات وتباين فرضها واقع التجزئة المرير الذي تعاني منه الأمة العربية. من الضروري جدًّا أن يتجنب الحريصون على أمن الأمة العربية وسلامتها الطروحات التي تعطي أهمية لجبهة نضال معينة، وتقلل من أهمية الجبهات الأخرى. وعليهم أيضًا تجنب تصنيف الجبهات وفقًا لمعايير خاطئة، كجبهات غير أساسية أو ثانوية.
من ضروروات المصلحة القومية أن تسير جبهات المقاومة العربية في نسق متوازٍ في الخطوط ومتساوٍ في الأهمية وفقًا لخطة قومية، على أن تلتقي في النهاية في خط موحد، وهدف واحد يحقق للأمة عزتها وكرامتها ويحفظ مصالح أجيالها. من المهم أن نوضح هنا بأن التمسك بمبداء تساوي أهمية الجبهات لا يمنعنا من الاعتراف بأن لساحة المواجهة في القطرالعراقي ثقلا استثنائيا خلال هذه المرحلة لسبب واضح وبسيط. فالمقاومة العراقية تعالج اليوم الجهد المعادي الأكبر للأمة العربية، والمتمثل في القوة العسكرية الأمريكية. ولكن هذا لا يعني على الإطلاق التقليل من أهمية المقاومتين اللبنانية أو الفلسطينية وعطائهما، ومن كون تحرير فلسطين قضيتنا المركزية.
إن المسؤولية الوطنية والقومية والأخلاقة تتطلب مساندة المقاومة اللبنانية بدون فرض شروط مسبقة. وعلى المترددين في تقديم هذا الاسناد ، ولا سيَّما المؤيدين منهم للمقاومة الوطنية العراقية تجاوز مواقف السيد حسن نصر الله وحزبه السابقة من المقاومة الوطنية العراقية دون التخلي عن حقهم المشروع في مطالبة السيد نصر الله لاحقًا في تصحيح مواقفه الخاطئة، فليدنا متسع من الوقت لتحقيق ذلك مستقبلاً. لكننا لا نملك وقتا يمكن هدره آنيا في مطالبات مشروطة وقوات العدو الصهيوني تزحف على جنوب لبنان. كما وأن الأمة لا تتحمل احتلالا أجنبيا جديدًا، لأنها مثقلة بمخاطر وهموم وتحديات الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية في فلسطين وسورية ولبنان، والاحتلال الإيراني لعربستان والجزر العربية الثلاث، والاحتلال التركي للإسكندرونة، والاحتلال المزدوج للعراق، بالإضافة إلى الاحتلال الأمريكي غير المباشر لعواصم عربية عديدة.
نلخص ونقول: أن لا خيار سوى خيار دعم المقاومة الوطنية اللبنانية بثقل مشابه لدعمنا للمقاومة الوطنية العراقية، ولمقاومة الشعب الفلسطيني، وإن ساحة الصراع واحدة لا يمكن تجزئتها. وإن العدو واحد ومقاومته يجب أن تكون موحدة بالضرورة.
شبكة الرافدين الأخباريه