الإسلام والغرب.. وضرورة الفهم المتبادل
بقلم الدكتور: محمد أحمد شوق الاستاذ بجامعة الأزهر
الحضارة الإنسانية سلسلة تراكمية متصلة من الحضارات التي تتفاعل وتتواصل وتتكامل لتفتح آفاق الحياة للانسان. وكل حلقة في هذه السلسلة تمثل درجة في سلم الصعود إلي الارتقاء الحضاري لأن كل حضارة لاحقة تستثمر معطيات الحضارات السابقة عليها والمعاصرة لها فمثلا تمتد جذور الحضارة الاسلامية الي الحضارات السابقة عليها مثل الحضارات الفرعونية والفينيقية والبابلية والصينية والهندية والأوروبية والاغريقية والرومانية وبالمثل فإن الحضارة الغربية المعاصرة تمتد جذورها الي هذه الحضارات اضافة الي الحضارة الاسلامية حين انطلقت جذوتها من الأندلس أحد مراكز الحضارة الاسلامية ومن بلاد المسلمين في شرق البحر المتوسط وجنوبه بخاصة ومن بقية البلدان الاسلامية بعامة.
ورغم تكامل الحضارات وتواصلها فإن تواصل الحضارات والاعتماد المتبادل بينها يتأثر باعتبارات مثل المنهجية والعقيدة والظرف الزمني والمكاني والتفاعلات التاريخية وعلي وجه العموم فكل حضارة
تنطلق من خلال ثلاث قنوات تشكل بنيتها.
القناة الأولي هي ما تنتجه من عناصر حضارية غير مسبوقة والثانية هي الخيرات التي اخذتها من غيرها من الحضارات الاخري ووضعتها في تكوينات جديدة. أما القناة الثالثة فتتعلق بالمناخ الذي يوفر الحرية للتعبير والتفكير والابداع والتجريب والمحاولة وتوافر الامكانات وباختلاف هذه القنوات يكون التنوع والتعدد والتخلف أو السبق وباتفاقها يكون التواصل والاعتماد المتبادل.
ومن حيث الاعتبارات التاريخية التي تؤثر في التواصل بين الحضارات فإننا يمكن أن نعطي مثالا له من علاقة الحضارة الغربية بالحضارة الاسلامية فبعد كل من الحربين العالميتين الأولي والثانية كانت أوروبا - نظراً للنقص الذي حدث في عدد الرجال في دولها بسبب الحرب - ترحب بالمسلمين وتتعايش معهم لحاجتها الي الايدي العاملة في مصانعها ولصمود حضارتهم أمام المد الشيوعي آنذاك. أما بعد تفكيك الاتحاد السوفيتي وانكماش الحاجة الي العمالة المسلمة. وفي الوقت نفسه تعاظم حاجة شباب المسلمين الي الهجرة الي بلاد الغرب. بدأت بعض الحكومات الأوروبية وبعض الاحزاب السياسية تنادي برفض المهاجرين الجدد. بل تطالب بطرد من اكتسبوا حق المواطنة من المهاجرين القدامي. الامر الذي تسبب في ردود أفعال غير مقبولة أحيانا من جانب المهاجرين المسلمين بخاصة.
ومن حيث العقيدة فإن اختلاف العقيدة في كل من الحضارتين الاسلامية والغربية ينبغي أن يكون قضية مسلمة لأنهما تختلفان في بعض أسسهما ولأن الاختلاف والتعدد من طبيعة الاشياء لذلك لا ينبغي أن يتوقع العالم الاسلامي أن يعدل الغربيون طريقة حياتهم بما يتفق مع تعاليم الدين الاسلامي مثل تحريم الخمر أو عدم التعامل بالربا أو مراعاة الحجاب في لبس المرأة أو فرض النمط الإسلامي في العلاقة بين الرجل والمرأة. وكذلك الأمر بالنسبة للعالم الغربي ولابد من أن يتفهم اصحاب كل عقيدة عقيدة الآخر ويحترم ما يتفرد به ويختلف فيه.
وفي تصور الكاتب فإن هذا أمر ميسور بالنسبة للحضارتين الاسلامية والغربية لأن كلا من العقيدتين الاسلامية والمسيحية لا تخالف الفطرة السليمة. ولكن المشكلة تكمن في محاولة فرض العادات المجتمعية المرفوضة من طرف علي الآخر والباسها ثوبا من الحقوق المبدئية للحياة فمثلا لا ينبغي أن يكون تقديم أفعال الي المسلمين مثل الحرية الجنسية أو الزواج المثلي أو اللواط أو العري علي أنها حرية شخصية أو من حقوق الانسان وهي في الوقت نفسه محرمة تماما وفق تعاليم الاسلام بل مرفوضة بالنسبة للمتدينين في الغرب وتزداد الطين بلة حين يتخذ البعض في الغرب مثل هذه الافعال معيارا لتقدم المجتمعات والمطلوب هنا تقبل مبدأ الاختلاف والتركيز علي جوانب الاتفاق فكل الأديان السماوية ومنها الاسلام والمسيحية تدعو الي التوحيد وكلها تنطلق من دين ابراهيم. يضاف الي هذا فإن المسلم لا تصح عقيدته ما لم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله و.... ومن هذه الكتب الانجيل ومن هؤلاء الرسل عيسي عليه السلام.
أما الاعتبارات التاريخية فإن تفاعل الحضارتين الاسلامية والغربية قد تعرض لعوامل ايجابية واخري سلبية فمن العوامل الايجابية ما حدث من تفاعل بناء واعتماد متبادل بين الحضارتين من خلال العلماء والمفكرين الذين كانوا قنوات اتصال يتدفق منها نهر الخبرات من احدي الحضارتين للأخري. ويذكر في هذا السياق أن الخليفة هارون الرشيد كان يقبل الجزية كتبا أما الخليفة المأمون فكان يدفع وزن ما يترجم عن الحضارات الأخري ومنها الحضارة اليونانية والحضارة الرومانية وغيرها ذهبا ومن فرسان الحضارة الاسلامية آنذاك نذكر الخوارزمي والبيروني وابن الرازي وابن الهيثم وجابر بن حيان وعمر الخيام وابن خلدون.
كما يذكر ان انطلاق الحضارة الاوروبية من القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلادي كان انطلاقا من الحضارة الاسلامية في الاندلس علي وجه الخصوص بعد عصر الظلام حين نشطت حركة الترجمة من العربية وقد ساعد علي هذا الانطلاق اكتشاف الآلة الكاتبة في القرن الخامس عشر ومن فرسان نهضة الحضارة الاوروبية في هذا العصر أرسطو وأفلاطون وفيثاغورث وسقراط اضافة الي علماء الاسكندرية من أمثال إقليدس وبطليموس وأرشميدس وجالينوس.
أما العوامل السلبية في العلاقة بين الحضارتين فقد جاءت من الحروب العثمانية والصليبية والاستعمارية وحديثا من العولمة التي خططها الغرب ووفر لها الغطاء القانوني والغزو الاعلامي الطاغي اضافة الي الحوادث الارهابية التي قام بها بعض المسلمين نتيجة لما يعاني منه العالم الاسلامي من تناقضات السياسة الغربية المعاصرة فرغم الضجيج الغربي عن ضرورة تطبيق الديمقراطية وحتمية مراعاة حقوق الانسان وحفظ حقوق الطفل والمرأة فإن هذا كله يمحي بمباركة من الغرب علي أرض فلسطين والعراق وافغانستان والبوسنة والهرسك والشيشان يضاف الي هذا ازدواج المعايير الغربية في الشئون الدولية فالتجارب النووية تكون خطرا داهما للانسانية اذا كانت في ايران أو كوريا الشمالية ولكنها ليست خطرا علي السلم والأمن العالميين اذا كانت في اسرائيل.
ومما يذكر أن الاسلام والمسلمين يتم تصويرهم في صورة المحرضين والدعاة للحرب طوال اربعة عشر قرنا في حين توصف حروب الغرب بأنها دفاعية ومن أجل استرداد ما اغتصبه المسلمون وعلي الرغم من أن الاعلام الغربي يزعم بأن المواجهة مستمرة لمدة اربعة عشر قرنا فإنه يزعم أن أمريكا صارت فجأة العدو الاكبر للمسلمين وكأن المسلمين يبحثون عن عدو لميلهم الطبيعي والتاريخي نحو ممارسة العنف وكراهية الغرب.
ويؤدي اختلاق اسلام وهمي متحجر الي رؤية الصراعات السياسية في بلدان مثل السودان والبوسنة واذربيجان وكشمير علي أنها صراعات دينية اسلامية في حين أن الحقيقة في هذه الحروب انها ترتبط بالقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعرقية والحكم الذاتي مثلما هو الحال في الجماعة الكاثوليكية والجماعة البروستانتية في ايرلندا الشمالية ومنظمة أيوكا في اسبانيا.
مما سبق يتضح أن علاقة الحضارتين الاسلامية والغربية كانت دائمة علي مر التاريخ ليس فقط من حيث كونهما ينتميان الي الحضارة الانسانية التي تراكمت في مختلف العصور ولكن ايضا من حيث اعتمادهما المتبادل كل علي الاخر الي الحد الذي يجعل كلا منهما مدينا للآخر في عصور ازدهاره.
كما يتضح أنه - في الوقت الحاضر - يوجد اراء لبعض علماء الغرب وبخاصة الامريكيين منهم يؤكدون استحالة التعايش السلمي بين الحضارتين وقد سرت اثار هذه الافكار في الاعلام الغربي بصورة كبيرة وبخاصة ان بعض الجماعات الاسلامية التي مارست الارهاب فعلا قد اعطت مبررا لهذه الفكرة لذلك اصبح الارهاب في الاعلام الغربي ارهابا اسلاميا اصيلا واصبح المسلمون في معظم الاحيان متهمين افتراضيين لكل فعل شائن ومما زاد الطين بلة أن بعض الساسة والمفكرين الغربيين قد تأثروا بهذه الموجة وبخاصة حينما تحدث أفعال من قبل بعض المسلمين تؤيد وجهه النظر الاعلامية.
من أجل هذا تنادي العقلاء من العالمين الاسلامي والغربي الي الحوار والفهم المتبادل والدفاع عن ضرورة التعايش السلمي وسيادة الوئام بين الحضارتين.
منقول للامانة