

[align=center]أحمد الجلبي ... مصرفي وسياسي ومتوسل وجاسوس لعبته أصبحت مستقبل العراق[/align]
بعد اربع عقود قضاها بين الشرق والغرب عاد أحمد الجلبي الى بغداد ليكون مرشح البنتاغون لرئاسة عراق ما بعد صدام حسين.
واذا كان ترشيح فريق رامسفيلد للجلبي قد أثار تحفظات أطراف أخرى في الادارة الاميركية وخاصة من جناح كولن باول، فان عودة الجلبي أثارت زوابع أقليمية كانت أهمها مع الاردن الذي يحتفظ للجلبي بملف قضائي عرف منذ 1988 بملف «انهيار بنك البتراء»، توج بحكم قضائي يقضي بحبس الجلبي 22 عاما بعد ادانته بـ48 تهمة من اصل 72 وجهها له الادعاء العام تلخصت بحيازة الجلبي لـ30 مليون دولار من اموال بنك البتراء بطرق غير قانونية وغير شرعية.
* الجلبي يبني «البتراء» في عمان
* بدأت قصة الجلبي مع بنك البتراء الاردني للعام 1978 عندما اسس، وهو المصرفي ورجل الاعمال والاكاديمي البنك ووضع فيه موروثه العائلي وخبراته العملية في الولايات المتحدة ولبنان وسويسرا فجعل منه في وقت قصير أهم وأكبر بنك في الأردن. وقد شد أداء البنك انتباه كل المراقبين للقطاع المصرفي الاردني اذ انه ادخل احدث الادوات والتقنيات في التعاملات المصرفية، وكان «البتراء» اول بنك اردني يقدم حلولا مالية للشباب لبدء حياتهم العائلية، وكان ايضا أول من أدخل بطاقة الائتمان للبلاد.
وقد استفاد الجلبي وبنك البتراء من الانتعاش الاقتصادي الذي عرفه الاردن في السبعينات وحتى منتصف الثمانيات حيث وافقت دول الخليج على مساعدة الاردن بحوالي 1.25 مليار دولار كدولة مواجهة مع اسرائيل، كما أن تحويلات المغتربين الفلسطينيين العاملين في دول الخليج بلغت ذروتها اذا اعتبر هؤلاء أن الاردن هو حاضنتهم بعد احتلال الضفة الغربية في العام 1967.
غير أن الود بين «البتراء» والجلبي لم يعمر طويلا اذ أخذ الاخير بالقيام بعمليات مالية يصفها هو بـ«الشرعية» في حين رأت المحكمة الأردنية أنها ممارسات غير شرعية ومخالفة لتعليمات ولوائح البنك المركزي الاردني. ومنها أن بنك البتراء غالبا ماكان يقدم قروضا يقترب حجمها من 90 في المائة مقارنة بحجم الودائع وهو ما يعتبر مخالفا للوائح نظام عمل البنوك التي تمنع اي مصرف من تقديم ديون تفوق 70 في المائة من حجم الودائع لديه.
كما أن الجلبي دأب على ارسال موظفيه للخارج بحقائب مليئة بالشيكات لانجاز مخالصات الشيكات المجيرة او المحولة عبر البنوك الأميركية والبريطانية والسويسرية بدلا من اتباع الطرق التقليدية التي وصفها في أكثر من مناسبة بانها «بطيئة». واعتبرت السلطات الاردنية أن هذا السلوك يشكل انتهاكا لقواعد الصرف الاجنبي. هذا الى جانب انه اخذ على الجلبي منحه قروضا لاشخاص دون ضمانات كافية او لاشخاص رفضتهم بنوك اردنية اخرى، كما ان المحكمة سجلت ان بعض القروض منحت رغم المخاطر وضعف الضمانات، وان بعض القروض منحت لاشخاص ربطتهم بالجلبي علاقات صداقة او قرابة.
واشارت ملفات المحكمة ايضا ان المؤسسات الاخرى التي كان يمتلكها الجلبي واخوته وهي مصرف «Mebco» في بيروت وجنيف وسويسرا وبنك «PIBC» في واشنطن وشركة «SCF» في لندن وشركة الاستثمار في جنيف «Socofi» وشركتا الاستثمار «الرمال» و«ابحار» في الاردن، كانت تعامل وكأنها فروع تابعة لبنك البتراء، وأن الاموال كانت تنساب من البنك وعبر هذه الشركات دون اي قيود او مراقبة. الجلبي لم يترك مناسبة الا وتحدث بنفسه او عبر ناطقين باسمه لتفنيد ما جاء في ملفات الادعاء الاردني او ما جاء في حكم المحكمة العسكرية الاردنية ويتمسك بأن اسبابا ودوافع سياسية كانت وراء هذه الاتهامات، وأن بنك البتراء كان ملتزما بقواعد العمل المصرفي في الاردن، ومنها ما يخص الاقراض بحيث انه لم يكن يتجاوز النسب المحددة ولم يكن يمنح اي قروض دون توفر الضمانات القانونية.
وبخصوص ارسال الشيكات الى الخارج في حقائب يحملها موظفون، قال ناطق باسم الجلبي أن الغرض من هذه العمليات كان هو توفير الوقت وتحقيق الربح للبنك فبدلا من الانتظار عشرة ايام لتحصيل قيمة الشيكات كانت الرحلات الشخصية تحصل الشيكات الدولارية خلال ست ايام، وهو ما كان يعود على البنك بحوالي 2 مليون دولار سنويا.
* بداية الانهيار
* ازدهر اداء بنك البتراء وأصبح ثاني أكبر بنك في الاردن، غير أن العام 1988 شهد بداية النهاية لامبراطورية الجلبي في الاردن وفي الخارج، وتزامن ذلك مع نهاية حقبة من الانتعاش مر بها الاقتصاد الاردني عامة، اذ أن المملكة بدأت تعاني مصاعب مالية ناجمة عن عوامل محلية واقليمة سياسية واقتصادية.فشهدت المرحلة تراجع قيمة الدينار الاردني، وتوقف الحكومة عن دفع فوائد ديونها الداخلية، وادى ارتفاع التضخم الى احتجاجات داخلية وزاد من عمق الأزمة تراجع حجم تحويلات الفلسطينيين العاملين في الخارج بسبب قرار فك الارتباط بين الاردن والضفة الغربية.
ويقول شهود على تلك المرحلة أن الجلبي حاول الحفاظ على ثقة العملاء بالبنك بكل السبل الى درجة انه واجه شائعات حول افلاس البنك واقتراب انهياره بأن امر بوضع 12 مليون دولار نقدا على طاولات احد فروع البنك الرئيسية في عمان ليشاهدها كل رواد الفرع ويتأكدوا بأن البنك لا يزال يتوفرعلى سيولة بالعملة الصعبة ولا يعاني من اي مشاكل مالية.
في لندن وسويسرا وواشنطن بدأت شركات الجلبي وأخوته تعاني الازمة تلو الازمة،ففي العام 1989 سحب السلطات السويسرية رخصة بنك Mebco بدعوى اصدار قروض دون ضمانات كافية. وتقدمت شركة الاستثمار في جنيفiSocofi بطلب لاشهار الافلاس وعينت السلطات جهة للاشراف على تصفية الشركة التي وجهت لها اتهامات بتقديم حسابات مزيفة وسوء استخدام تمويلات. ولا زالت القضية عالقة للآن اذ تحاول لجنة التصفية تحصيل 130 مليون دولار لصالح الدائنين.وفي وقت لاحق أغلقت السلطات اللبنانية بنكcMebcooبدعوى مخالفات تشريعية.
أما على صعيد بنك البتراء فقد تزامن الامر مع تكليف العاهل الاردني الراحل الملك حسين المصرفي المعروف محمد سعيد النابلسي مهمة قيادة البنك المركزي الاردني واتخاذ الاجراءات اللازمة لمنع انهيار القطاع المصرفي الاردني.
وكانت أول قرارات النابلسي هي الزام البنوك المحلية بوضع 35 بالمائة من موجوداتها بالعملة الصعبة لدى البنك المركزي، وهذا القرار كان يعني ان يوفر بنك البتراء 65 مليون دولار،وهو مالم يحدث وصرح النابلسي لاحقا بان «البتراء» لم يضع حتى دولار واحد. وهو ما يبرره مساعدون للجلبي بأنه كان بسبب الاجراءات التي اتخذتها السلطات السويسرية بحق المؤسسات التي تعد الرافد الاساسي للبنك وبالتالي لم يتمكن البنك من توفير السيولة التي يطلبها «المركزي» الاردني.
وكانت هذه النقطة التي افاضت كأس الجلبي مع الأردن اذ لجأ النابلسي الى لجنة الامن الاقتصادي التابعة للمحكمة العسكرية التي قضت بحل ادارة بنك البتراء واحالة المسؤولية للجنة عينت من قبل البنك المركزي.وبذلك سيطرت الحكومة الاردنية على البنك في الثالث من اغسطس(أب) 1989.
* الهروب الى الخارج
* شاب قصة هروب الجلبي الى خارج الاردن الكثير من الشائعات والتهويلات والتأويلات،منها من قال بأن اتفاقا تم بين الجلبي ومراكز نفوذ اردنية، ومنها من قال بأنه هرب مختبئا في صندوق سيارة متجهة الى سورية، ونسبت للجلبي تصريحات بأنه غادر في اجازة وعبر الحدود بشكل عادي وطبيعي، وغيرها من القصص. وصاحب هرب الجلبي تصريحات من الاردن تقول بأن الباب مفتوح أمام الجلبي للعودة و الدفاع عن نفسه وعن ادارته للبنك أمام القضاء، أما الجلبي فبرر خروجه بأنه خوفا من امكانية تسليمه للنظام العراقي لدوافع سياسية كانت تغذيها مراكز قوى قريبة من القصر الملكي.ومنذ ذلك الحين لم يقفل ملف «بنك البتراء والجلبي» بل وعاد الى الواجهة عندما عاد الجلبي الى الواجهة كأقوى مرشحي وزارة الدفاع الاميركية لرئاسة عراق ما بعد صدام حسين.
* قالوا عن الجلبي المصرفي
* الذين عملوا مع أحمد الجلبي في بنك البتراء يعترفون له بمهنيته العالية وذكائه الحاد، ويسجلون له الدور البارز في تطوير القطاع المصرفي الاردني ولكنهم أيضا ياخذون عليه تجاوز تعليمات السلطات المصرفية الاردنية في كثير من الأحيان بل والتمادي في اتخاذ قرارات تنطوي على تجاوزات.
حسن عبد العزيز الرجل التنفيذي الثاني في البنك قال في تصريحات صحفية نشرتها «ذا وول ستريت جورنال يوروب» يوم 22 مايو (ايار) الجاري أن «أكبر مشاكل الجلبي كانت انه يدفع الامور الى الحافة». أما اسامة هلسة الذي شغل منصب مدير مشاريع في بنك البتراء فقد قال للصحيفة ذاتها «أنه يحب الجلبي ورغم انه كان موظفا في المواقع المتوسطة الا ان الجلبي لم يكن يمانع من مقابلته شخصيا والاستماع لرأيه في المشاريع التي يشرف عليها».
مصرفي اخر عمل مع الجلبي في بنك البتراء قال لـ«الشرق الأوسط»: «كان شعاره أن الحركة التي لا تترجم الى رقم في دفتر الحسابات لا تحسب، بمعنى أن اداء اي موظف في البنك لا بد وأن يظهر كرقم ايجابي في دفاتر البنك.
وقال مصرفي أن الجلبي شكل في وقت من الاوقات خطرا على القطاع المالي الاردني فقد أنشأ في بنك البتراء وحدة مصرفية كانت تتحكم بارتفاع أو انخفاض العملات الصعبة مقابل الدينار وتدير المضاربات على العملة. وأشار المصرفي أن رجال «الوحدة المصرفي» كانوا يتوجهون بحقائب لجمع الدولارات من السوق حتى يزيد الطلب عليها وبالتالي يرتفع سعرها ثم يعودون لبيعها حسب السعر الذي يفرضونه.
الجلبي المصرفي والاكاديمي ـ ولد أحمد الجلبي في العام 1945 لأسرة عريقة في عالم الاعمال والسياسة، فقد اسس احد اعمامه بنك الرافدين في بغداد الذي كان في وقت ما أكبر بنوك الشرق ألأوسط ولكن في العام 1958 وبعد تأميم البنك فر أحمد الجلبي وآخرون من أسرته خارج العراق.
ـ درس الجلبي في مدارس الولايات المتحدة قبل الالتحاق بمعهد ماسيشيوتس للتكنولزجيا ثم جامعة شيكاغو.
ـ حصل من شيكاغو على درجو الدكتوراه في الرياضيات ـ عمل في سلك التعليم في بيروت حيث كان شقيقه قد أسس بنك «موبكو».
ـ في العام 1978 توجه للاردن لتأسيس بنك «البتراء».